فصل: تفسير الآيات (132- 133):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التسهيل لعلوم التنزيل



.تفسير الآية رقم (110):

{يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (110)}
{يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} الضميران لجميع الخلق، والمعنى ذكر في آية الكرسي {وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً} قيل: المعنى لا يحيطون بمعلوماته كقوله: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ} [البقرة: 255]، والصحيح عندي أن المعنى لا يحيطون بمعرفة ذاته؛ إذ لا يعرف الله على الحقيقة إلا الله، ولو أراد المعنى الأوّل لقال ولا يحيطون بعمله، ولذلك استثنى إلا بما شاء هناك ولم يستثن هنا.

.تفسير الآيات (111- 114):

{وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (111) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (112) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (113) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (114)}
{وَعَنَتِ الوجوه} أي ذلت يوم القيامة {وَلاَ هَضْماً} أي بخساً ونقصاً لحسناته {أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً} أي تذكراً، وقيل: شرفاً وهو هنا بعيد {وَلاَ تَعْجَلْ بالقرآن مِن قَبْلِ أَن يقضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ} أي إذ أقرأك جبريل القرآن؛ فاستمع إليه واصبر حتى يفرغ، وحينئذ تقرأه أنت. فالآية: كقوله: {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} [القيامة: 16]، وقيل كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أوحي إليه القرآن يأمر بكتبه في الحين، فأمر بأن يتأنى حتى تفسر له المعاني، والأول أشهر.

.تفسير الآية رقم (115):

{وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (115)}
{عَهِدْنَآ إلى ءَادَمَ} أي وصيناه أن لا يأكل من الشجرة {فَنَسِيَ} يحتمل أن يكون النسيان الذي هو ضدّ الذكر، فيكون ذلك عذراً لآدم أو يريد الترك، وقال ابن عطية: ولا يمكن غيره، لأن الناسي لا عقاب عليه، وقد تقدّم الكلام على قصة آدم وإبليس في البقرة.

.تفسير الآية رقم (117):

{فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (117)}
{فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجنة فتشقى} أي لا تطيعاه فيخرجكما من الجنة، فجعل المسبب موضع السبب وخص آدم بقوله: {فتشقى} لأنه كان المخاطب أولاً، والمقصود بالكلام، وقيل: لأن الشقاء في معيشة الدنيا مختص بالرجال.

.تفسير الآية رقم (119):

{وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (119)}
{لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تضحى} الظمأ هو العطش، والضحى هو البروز للشمس.

.تفسير الآية رقم (121):

{فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121)}
{يَخْصِفَانِ} ذكر في [الأعراف: 21] وكذلك الشجرة وأكل آدم منها ذكر ذلك في [البقرة: 35].

.تفسير الآيات (123- 124):

{قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)}
{اهبطا} خطاب لآدم وحواء {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم} هي إن الشرطية دخلت عليها ما الزائدة وجوابها {فَمَنِ اتبع} {فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يشقى} أي لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة {مَعِيشَةً ضَنكاً} أي ضيقة، فقيل إن ذلك في الدنيا، فإن الكافر ضيق المعيشة لشدّة حرصه وإن كان واسع الحال، وقد قال بعض الصوفية: لا يُعرض أحد عن ذكر الله إلا أظلم عليه وقته وتكدر عليه عيشه، وقيل: إن ذلك في البرزخ، وقيل: في جهنم بأكل الزقوم، وهذا ضعيف، لأنه ذكر بعد هذا يوم القيامة وعذاب الآخرة {وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القيامة أعمى} أي يعني أعمى البصر.

.تفسير الآيات (126- 127):

{قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (127)}
{فَنَسِيتَهَا وكذلك اليوم تنسى} من الترك لا من الذهول {وَلَعَذَابُ الآخرة أَشَدُّ وأبقى} أي عذاب جهنم أشدّ وأبقى من العيشة الضنك ومن الحشر أعمى.

.تفسير الآية رقم (128):

{أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (128)}
{أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ} معناه: أفلم يتبين لهم، والضمير لقريش والفاعل بيهد مقدر تقديره: أو لم يهد لهم الهدى أو الأمر، وقال الزمخشري: الفاعل الجملة التي بعده، وقيل: الفاعل ضمير الله عز وجل، ويدل عليه قراءة {أفلم نهد} بالنون، وقال الكوفيون: الفاعل كم {يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ} يريد أن قريشاً يمشون في مساكن عاد وثمود، ويعاينون آثار هلاكهم {لأُوْلِي النهى} أي ذوي العقول.

.تفسير الآية رقم (129):

{وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (129)}
{وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً} الكلمة هنا القضاء السابق، والمعنى لولا قضاء الله بتأخير العذاب عنهم لكان العذاب لزاماً: أي واقعاً بهم {وَأَجَلٌ مُّسَمًّى} معطوف على {كَلِمَةٌ}: أي لولا الكلمة والأجل المسمى لكان العذاب لزاماً، وإنما أخره لتعتدل رؤوس الآي، والمراد بالأجل المسمى يوم بدر، وبذلك ورد تفسيره في البخاري، وقيل: المراد به أجل الموت، وقيل القيامة.

.تفسير الآية رقم (130):

{فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (130)}
{وَسَبِّحْ} يحتمل أن يريد بالتسبيح الصلاة، أو قول سبحان الله وهو ظاهر اللفظ {بِحَمْدِ رَبِّكَ} في موضع الحال أي وأنت حامد لربك على أن وفقك للتسبيح، ويحتمل أن يكون المعنى سبح تسبيحاً مقروناً بحمد ربك فيكون أمراً بالجمع بين قوله: سبحان الله وقوله الحمد لله، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وسبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السماء والأرض» {قَبْلَ طُلُوعِ الشمس وَقَبْلَ غُرُوبِهَا} إشارة إلى الصلوات الخمس عند من قال إن معنى {فَسَبِّحْ}: الصلاة، فالتي قبل طلوع الشمس الصبح، والتي قبل غربوها الظهر والعصر، ومن آناء الليل المغرب والعشاء الآخرة وأطراف النهار المغرب والصبح، وكرر الصبح في ذلك تأكيداً للأمر بها، وسمى الطرفين أطرافاً لأحد وجهين: إما على نحو فقد صغت قلوبكما، وإما أن يجعل النهار للجنس، فلكل يوم طرف، وآناء الليل ساعاته، واحدها إني.

.تفسير الآية رقم (131):

{وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (131)}
{وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ} ذكر في [الحجر: 88] ومدّ العينين هو تطويل النظر ففي ذلك دليل على أن النظر غير الطويل معفوّ عنه {زَهْرَةَ الحياة الدنيا} شبه نعيم الدنيا بالزهر وهو النوار، لأن الزهر له منظر حسن، ثم يذبل ويضمحل، وفي نصب زهرة خمسة أوجه: أن ينتصب بفعل مضمر على الذم، أو يضمن {مَتَّعْنَا} معنى أعطينا، ويكون {زَهْرَةَ} مفعولاً ثانياً له، أو يكون بدلاً من موضع الجار والمجرور، أو يكون بدلاً من أزواجاً على تقدير ذوي زهرة أو ينتصب على الحال.
{لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} أي لنختبرهم.

.تفسير الآيات (132- 133):

{وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (132) وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى (133)}
{لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً} أي لا نسألك أن ترزق نفسك ولا أهلك فتفرغ أنت وأهلك للصلاة فنحن نرزقك، وكان بعض السلف إذا أصاب أهله خصاصة قال: قوموا فصلوا بهذا أمركم الله، ويتلو هذه الآية: {أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصحف الأولى} البينة هنا البرهان، والصحف الأولى هي التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب الله بهذا الجواب، والمعنى قد جاءكم برهان ما في التوراة والإنجيل من ذكر محمد صلى الله عليه وسلم، فلأي شيء تطلبون آية أخرى، ويحتمل أن يكون المعنى: قد جاءكم القرآن وفيه من العلوم والقصص ما في الصحف الأولى، فذلك بينة وبرهان على أنه من عند الله.

.تفسير الآية رقم (134):

{وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (134)}
{وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ} الآية: معناها لو أهلكنا هؤلاء الكفار قبل بعث محمد صلى الله عليه وسلم لاحتجوا على الله بأن يقولوا: لولا أرسلت إلينا رسولاً، ولولا هنا: عرض فقامت عليهم الحجة ببعثه صلى الله عليه وسلم.

.تفسير الآية رقم (135):

{قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى (135)}
{قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ} أي قل كل واحد منا ومنكم منتظر لما يكون من هذا الأمر {فَتَرَبَّصُواْ} تهديد {الصراط السوي} المستقيم.

.سورة الأنبياء:

.تفسير الآية رقم (1):

{اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (1)}
سورة الأنبياء عليهم السلام.
{اقترب لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ} الناس لفظ عام، وقال ابن عباس: المراد به هنا المشركون من قريش بدليل ما بعد ذلك، لأنه من صفاتهم، وإنما أخبر عن الساعة بالقرب، لأن الذي مضى من الزمان قبلها أكثر مما بقي لها ولأن كل آت قريب.

.تفسير الآية رقم (2):

{مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (2)}
{مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِمْ مُّحْدَثٍ} يعني بال {ذِكْرٍ} القرِآن، {مُّحْدَثٍ} أي محدث النزول.

.تفسير الآيات (3- 6):

{لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (3) قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (4) بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (5) مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (6)}
{وَأَسَرُّواْ النجوى الذين ظَلَمُواْ} الواو في {وَأَسَرُّواْ} ضمير فاعل، يعود على ما قبله، {الذين ظَلَمُواْ}: بدل الضمير، وقيل: إن الفاعل هو الذين ظلموا، وجاء ذلك على لغة من قال: أكلوني البراغيث، وهي لغة بني الحارث بن كعب، وقال سيبويه: لم تأت هذه اللغة في القرآن ويحتمل أن يكون {الذين ظَلَمُواْ} منصوباً بفعل مضمر على الذم أو خبر ابتداء مضمر، والأول أحسن {هَلْ هاذآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} هذه الكلام في موضع نصب بدل من النجوى، لأن هو الكلام الذي تناجوا به، والبشر المذكور في الآية هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم {قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ القول} إخبار بأنه ما تناجوا به على أنهم أسّروه فإن قيل: هلا قال يعلم السر مناسبة لقوله: {وَأَسَرُّواْ النجوى}؟ فالجواب: أن القول يشمل السرّ والجهر فحصل به ذكر السرّ وزيادة.
{بَلْ قالوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ} أي أخلاط منامات، وحكى عنهم هذه الأقوال الكثير، ليظهر اضطراب أمرهم وبطلان أقوالهم {كَمَآ أُرْسِلَ الأولون} أي كما جاء الرسل المتقدمون بالآيات، فليأتنا محمد بآية. فالتشبيه في الإتيان بالمعجزة {مَآ آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ} لما قالوا: {فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ} أخبرهم الله أن الذين من قبلهم طلبوا الآيات، فلما رأوها ولم يؤمنوا أهلكوا، ثم قال: {أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ} أي أن حالهم في عدم الإيمان وفي الهلاك كحال من قبلهم، ويحتمل أن يكون المعنى: أن كل قرية هلكت لم تؤمن فهؤلاء كذلك، ولا يكون على هذا جواباً لقولهم: {فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ} بل يكون إخباراً مستأنفاً على وجه التهديد؛ وأهلكناها في موضع الصفة لقرية، والمراد أهل القرية.

.تفسير الآية رقم (7):

{وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (7)}
{وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً} ردّ على قولهم: {هَلْ هاذآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} [الأنبياء: 3]؛ والمعنى أن الرسل المتقدمين كانوا رجالاً من البشر، فكيف تنكرون أن يكون هذا الرجل رسولاً {أَهْلَ الذكر} يعني: أحبار أهل الكتاب.

.تفسير الآية رقم (8):

{وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (8)}
{وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَ الطعام} أي ما جعلنا الرسل اجساداً غير طاعمين، ووحد الجسد لإرادة الجنس، و{لاَّ يَأْكُلُونَ الطعام} صفة لجسد، وفي الآية ردّ على قولهم {مَالِ هذا الرسول يَأْكُلُ الطعام} [الفرقان: 7].

.تفسير الآيات (9- 10):

{ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (9) لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (10)}
{وَمَن نَّشَآءُ} يعني المؤمنين {فِيهِ ذِكْرُكُمْ} أي شرفكم وقيل: تذكيركم.

.تفسير الآيات (11- 13):

{وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ (11) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (12) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (13)}
{قَصَمْنَا} أي أهلكنا، وأصله من قصم الظهر أي كسره {مِن قَرْيَةٍ} يريد أهل القرية: قال ابن عباس: هي قرية باليمن يقال لها حضور، بعث الله إليهم نبياً فقتلوه فسلط الله عليهم بختنصر ملك بابل فأهلكهم بالقتل، وظاهر اللفظ أنه على العموم لأن كم للتكثير، فلا يريد قرية معينة {يَرْكُضُونَ} عبارة عن فرارهم، فيحتمل أن يكونوا ركبوا الدواب، وركضوها لتسرع الجري أو شبهوا في سرعة جريهم على أرجلهم بمن يركض الدابة {لاَ تَرْكُضُواْ} أي قيل لهم لا تركضوا والقائل لذلك هم الملائكة. قالوه تهكماً بهم، أو رجال بختنصر إن كانت القرية المعينة، قالوا ذلك لهم خداعاً ليرجعوا فيقتلوهم {أُتْرِفْتُمْ} أي نعمتم {لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ} تهكم بهم وتوبيخ أي: ارجعوا إلى نعيمكم ومساكنكم لعلكم تسألون عما جرى عليكم، ويحتمل أن يكون {تُسْأَلُونَ} بمعنى يطلب لكم الناس معروفكم وهذا أيضا تهكم.